المنجي بوسنينة

13

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

لقد اهتم أبو الخير بالنبات فألف فيه كتابه الشهير « عمدة الطبيب في معرفة النبات » ، وصار من أبرز علماء الأندلس في حقل علم الزراعة والنبات . وانصب اهتمام أبي الخير ، بوجه خاص ، على استخدام النبات في المجال الطبي . ولذا اعتمد معاصروه على أعماله وتجاربه لمواصلة البحث والتأليف في النبات . ذلك كان حال الأطباء وعلماء النبات أبي العلاء بن زهر الإيادي الإشبيلي ( 525 ه / 1130 م ) ، وأبي بكر بن الصائغ التجيبي ، الشهير بابن باجة الأندلسي السرقسطي ( ت 533 ه / 1139 م ) ، وابن العوام الإشبيلي ( 6 ه / 12 م ) . ومن المعلوم أن هذا الأخير قد اعتمد كثيرا على أعمال أبي الخير حيث ذكره أكثر من مائة وتسعين مرة في كتابه حول الفلاحة ، وذلك بدءا بالمقدمة التي أشار فيها صاحبها إلى من اعتمد على أعمالهم فذكر من بين هؤلاء العلماء « الشيخ الحكيم أبا الخير الإشبيلي رحمه الله » . وتركّز المعلومات التي استقاها ابن العوام من أعمال أبي الخير على وصف أنواع النباتات وأجناسها . وهذا ما يؤكد نسبة كتاب عمدة الطبيب في معرفة النبات إلى أبي الخير الإشبيلي إذ كان هذا الكتاب مجهول المؤلف حتى فترة قريبة . ويستخلص المؤرخون من وصف ابن العوام لأبي الخير ونعته « بالشيخ الحكيم » أن أبا الخير كان مهتما أيضا بالطب والصيدلة والمؤلفات في الحكمة وغيرها من علوم عصره . ولا بد من الإشارة إلى أن جلّ علماء النبات كانوا يركّزون على المادة النباتية لمعرفة هل بالإمكان استغلالها كمادة استشفائية ؟ ، فضلا عن استخدامها في التغذية ومقتضيات الحياة الأخرى مثل الدباغة ونحوها ، وهو ما يتجلى في العديد من الكتب المؤلفة في مجال الفلاحة . ومن ثم اجتهد أبو الخير ليكون كتابه « عمدة الطبيب في معرفة النبات مرجعا للأطباء في معرفة أنواع النبات » وطرق استعمالها في العلاج . لقد عرفت الكتابات العربية في مجال الزراعة ازدهارا كبيرا في الأندلس [ توفيق فهد ، موسوعة تاريخ العلوم ، ص 1082 ] التي وصفها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان قائلا : « لا تقع العين بها إلا على حقول ناضرة ، ورياض غنّاء ، ومراع واسعة ، وأنهار جارية » . ولعل ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت إشبيلية تنجب العديد من علماء النبات خلال الفترة الممتدة من القرن 5 ه إلى 7 ه ، أمثال أحمد بن حجاج الإشبيلي مؤلف كتاب « المقنع في الفلاحة » الذي كتبه سنة 466 ه / 1273 م ، وابن العوّام الإشبيلي مؤلف كتاب الفلاحة ، وهذا إضافة إلى أبي الخير الإشبيلي . وكانت طليطلة قد سبقت إشبيلية في هذا المجال بظهور علماء بارزين في الزراعة منهم الحاج أبو عبد الله إبراهيم الطليطلي ، المعروف بابن بصال - وهو أحد أكبر علماء الفلاحة في القرن 5 ه - وكذا رفيقه ابن الوافد . وفي هذا السياق يشير المؤرخان خوان فيرني Vernet وخوليو سامسو Samso إلى ظهور مدرسة للعلوم الزراعية رأت النور في طليطلة ثم امتدت إلى إشبيلية فبرزت وجوه علمية لامعة أمثال « . . . ابن وافد ( 999 م / 1074 م ) وابن بصال